يحيي بن حمزة العلوي اليمني

158

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

أوردناه على اتساعه ، ووضوح أمره جار على الاطراد في تشبيه الأدنى بالأعلى ، والأقل بالأكثر والفاضل بالأفضل ، والحقير بالأحقر ، كما قرّرناه ومنه قول امرئ القيس في صفة الفرس : كأن سراته لدى البيت قائما * مداك عروس أو صلاية حنظل وقال ابن دريد في صفة السيف : كأن بين عيره وغربه * مفتأدا تأكلت فيه الجذا وقول عمرو بن كلثوم يصف امرأة : وثديا مثل حق العاج رخصا * حصانا من أكف اللامسينا ونحرا مثل ضوء البدر وافى * بأسعده أناسا مدجنينا وقوله في صفة الخمر : مشعشعة كأن الحص فيها * إذا ما الماء خالطها سخينا والحص الورس ، لأنها إذا مزجت بالماء رقت بصفرة فاقعة . المرتبة الثانية في بيان التشبيه المنعكس اعلم أن هذا النوع من التشبيه ، يرد على العكس والندور ، وبابه الواسع هو الاطراد كما أشرنا إليه ، وإنما لقب بالمنعكس لما كان جاريا على خلاف العادة والإلف في مجارى التشبيه ، وقد يقال له غلبة الفروع على الأصول ، وكل هذه الألقاب دالة على خروجه عن القياس المطرد ، والمعية المستمر ، وله موقع عظيم في إفادة البلاغة ، وقد ذكره ابن الأثير في كتابه المثل السائر وقرره ابن جنى في كتاب الخصائص ، والشرط في استعماله أن لا يرد إلا فيما كان متعارفا ، حتى تظهر فيه صورة الانعكاس ، كما سنقرره في أمثلته ، لأنه لو ورد في غير التعارف لكان قبيحا ، لأن مطرد العادة في البلاغة على تشبيه الأدنى بالأعلى ، فإذا جاء على خلاف ذلك فهو معكوس ، ومن الأمثلة الواردة فيه قول ذي الرمة : ورمل كأرداف العذارى قطعته * إذا لبسته المظلمات الحنادس فانظر إلى ما فعله ذو الرمة ، كيف جعل الأصل فرعا ، والفرع أصلا ، وذلك أن العادة جارية بتشبيه أعجاز النساء ، بكثبان الأنقاء ، فعكس ذو الرمة القضية ، فشبه كثبان الأنقاء